الأربعاء، 14 سبتمبر 2011

عالم النحت من هنا وهناك منقول للفائده

  



قبل أن نتحدث ولو بإيجاز عن النحت وعالمه الكبير الواسع، وقبل أن نستعرض التجربة المحلية نتوقف قليلا عند إشكالية تعيشها الساحة المحلية تتمثل في تسمية هذا الجانب من الفنون والمعروف بهذا الاسم تاريخيا وعالميا والتردد في تأكيد حقه بهذه التسمية خوفا من أن يحدث خلافا يتسبب في إيقاف أي معرض يحمل مثل هذه التسمية، فالنحت عند العامة أو عند من لا يمتلك الثقافة التشكيلية يعني التماثيل وتجسيد الشكل الإنساني أو الحيواني رغم أنها جزء من مجالات النحت المتعددة، إلا أنها ليست واردة فيما يبدعه الفنان المحلي انطلاقا من تمسكه بمبادئه وقيمه الدينية.. ففي عالم النحت خصوصا الحديث الكثير، بل إن غالبية الأعمال المعاصرة لا ترتبط أو تتعلق أو تحاكي الواقع المباشر بقدر ما تتعامل مع الإيحاء والصورة الخيالية التي تنبع من فكر وفلسفة الفنان وكيفية معالجته للكتلة، كما أن النحت لا يشمل الحفر والنقش الغائر فقط، أيضا هناك أسماء وصفات لكل ما يحدثه الفنان على قطعة الخشب أو الحجر.
نشاط مغمور
النحت والتعامل مع الفراغ في الكتلة أو العكس من خلال خامات الطين والخشب والحجر لم يكن الإبداع فيه محليا يتعدى حدود المعارض المدرسية في وقت كان فيه العالم يحتفي بالمعارض التشكيلية للأعمال المماثلة نتيجة بُعد المعنيين بهذه المادة عن سبل تطويرها والأخذ بالموهوبين فيها من المعلمين والطلبة إلى مراحل أكثر لكسب الخبرات إلا من بعض الأسماء التي برزت في مجال الرسم والتصوير الزيتي أو المائي بجهودهم الخاصة نتيجة بُعد نظرهم ومتابعتهم لواقع الفنون التشكيلية عربيا وعالميا إلى أن بدأت الفنون التشكيلية تأخذ مكانتها وفرصها من خلال توجه الرئاسة العامة في تفعيل الثقافة باعتبارها جزءا من مهامها تجاه الشباب ومنها الفنون التشكيلية، حيث أسهمت الكثير من الأندية في تنشيط هذا الجانب واستقطاب المهتمين به من الشباب أو المعلمين إضافة إلى إعداد المعارض الجماعية للفنانين على مستوى المملكة، فكانت بداية اكتشاف القدرات والميول عند النحت في التشكيل المحلي
لم يكن هناك وكما هو معلوم أي دراسة متخصصة في مجال الفنون التشكيلية في المملكة، كما هي في أي بلد آخر نظرا لكون هذه المجالات غير واردة في وقت تأسيس التعليم العام أو ما تبعه من تطور أوجدت من خلاله مادة التربية الفنية التي تعنى بتنمية مهارات الطلاب في مجالات الرسم والأشغال اليدوية، وأدرجت هذه المادة في معاهد المعلمين، وافتتح لها معهد متخصص (معهد التربية الفنية) بحثا عن سبل الاكتفاء في مجال تعليم التربية الفنية في المدارس ثم أغلقت جميعها لاحقا لتصبح هذه المادة ضمن أقسام كليات المعلمين وفي كليات التربية بالجامعات بقسميها البنات والبنين، هذه المادة وبما تضمنته من مهام كما أشرنا في مجال تنمية مهارات الطلاب في الرسم والأشغال اليدوية وجد فيها المعلمون فرصا للتعامل مع مختلف الأدوات والخامات البيئية التي كانت في متناول اليد وعلى مختلف البيئات الزراعية والصحراوية والبحرية إلى آخر المنظومة، ووجد فيها الطلبة مجالا للتشكيل ومعالجة الكتلة واستخراج الأعمال الإبداعية بناء على توجيهات المعلمين الذين اكسبوهم مهارات الأداء.
الفنانين. يضاف إليها ما حققه البعض ممن ابتعث لدراسة الديكور أو التربية الفنية أو الفنون الجميلة خارج الوطن؛ ما منحهم معرفة ودراية دفعتهم للتجربة فأنجزوا بعض الأعمال النحتية التي لم تكن معروفة بحجم أعمالهم الزيتية أو المائية منهم على سبيل المثال الفنان الراحل عبد الحليم رضوي والفنان محمد السليم أو الفنانون ضياء عزيز ضياء وبكر شيخون وفيصل السمرة، كل وطريقته في التعامل مع الخامة والمنجز.
نادي الدرع النموذج
ومع أن مختلف الأندية قد مارست المجالات التشكيلية على قدر ما اشتمل عليه النادي من أعداد المنتسبين برز من بينهم موهوبون في الفن أو وجوده في مناطق يمتلك بعض شبابها ميول تشكيلية امتدادا وتواصلا مع ما تلقوه في المدارس من تجارب كان النحت أحدها مع ما حظيت به بعض الأندية من مدربين (أخصائيين) للفنون التشكيلية أتاحت الفرصة لهؤلاء بالتعامل مع الأدوات والخامات وتفننوا في تشكيل أعمال أطلق عليها الفنون التطبيقية شملت النحت أو التركيب بالحديد أو الخشب إلى آخر المنظومة، كان نادي الدرع ابرز تلك الأندية عددا وعدة في هذا المجال.
عودا إلى قيام الفنان الراحل عبد الله العبد اللطيف زميل الدراسة في معهد التربية الفنية والصديق الذي افتقدته الساحة بعد عودته من الولايات المتحدة بفترة قصيرة بتجربة في النحت على مستوى الإنتاج والتصنيع والتنفيذ على نطاق كبير ميدانيا أثرى بها الساحة وخلف بعده جيلا من النحاتين من معلمي التربية الفنية بمحافظة الدوادمي أصبحوا اليوم ابرز المساهمين في تنوع الإبداع في الساحة التشكيلية في هذا المجال على مستوى المملكة، حقق بهم نادي الدرع أعلى مراتب الفوز في المعارض التي تقام لمراسم الأندية استمروا به نحو النجاح بشكل فردي أو من خلال مجموعة الدوادمي للفنون التشكيلية.
حضور متميز
ومع أن النحت لم يكن بحجم الأعمال المسندية الزيتية والمائية التي تفرض وجودها في المعارض بشكل كبير إلا أن المبدعين في النحت لم يتوقفوا عن فرض إبداعهم وتأكيد وجوده في الساحة كسبوا بها قناعة المسؤولين بوضع جوائز مستقلة له في المسابقات التشكيلية، وامتد تواجدهم على مساحة الوطن الشباب منهم أو أصحاب التجارب السابقة والحضور المبكر جامعين بين الرسم والنحت في مسيرة تجاربهم، نذكر منهم على سبيل المثال الفنان احمد المغلوث وكمال المعلم في المنطقة الشرقية والفنان نبيل نجدي من المدينة المنورة والفنان عبد الرحمن العجلان في الرياض، أما فئة الشباب فنذكر نماذج لفتت النظر من خلال مشاركاتهم في العديد من المعارض منهم الفنانون محمد الثقفي وشجعان الرويس واحمد حسين، ومن الفنانات منال الحربي وهدى الشهري.
لمحة حول النحت
يعتبر النحت أقدم الفنون التشكيلية وأعرقها، متمثلا في كل ما له أبعاد ثلاثية أو ما ينتج عن أعمال الحفر البارز والغائر على أرضية مسطحة بناء على نوع الخامة المتاحة البيئية أو الصناعية وأصبح ملازما للعمارة مع ما يمكن أن يوصف به كل ما يقع تحت النظر من التشكيلات المتعلقة بالأدوات النفعية مع اشتراط الإبداع فيها وقرب سبل تنفيذها إلى وسائل النحت وأدواته.. ولنا في تاريخ الحضارات وما خلفته لنا من آثار ما يكفي عن ألف كتاب، مؤكدة بذلك دور الإنسان وقدرته على صنع الحضارة بقيمها الروحية والمادية. لهذا يتجه بعض الباحثين إلى أن الزخارف المحفورة أو البارزة على العاج ظهرت مع بداية الكتابة الهيروغليفية التي أسست أو كشفت مسارا آخر لفنون الحفر والنحت، تلاها تطور وتعدد في توظيف النحت في مختلف الأعمال وصولا إلى اعتباره أحد أهم أقسام الفنون التشكيلية المعاصرة بإخراجه من وظائفه السابقة كأعمال ترتبط بالدين أو بتخليد الإنسان.
تعددت الخامات والهدف واحد
ومع أن المفهوم السائد للنحت يعني التعامل مع خامات الخشب والحجر عودا إلى ما كان يتم القيام به من أدوات لا يتعدى دورها اكثر من الكشط أو الحفر إلا أن النحات المعاصر أخذ في البحث عن خامات وأدوات ابتداء من الأساليب السابقة التي لا زال الكثير يتعامل معها ومنها الحفر الغائر أو البارز في الأعمال النحتية المسندية أو الأعمال ذات الأبعاد الثلاثة المفتوحة في الفضاء العام ومنها التشكيل عبر الإضافات وتأليف العمل بخامات متنوعة أو بتشكيل القوالب بعد الإعداد المسبق للشكل بالطين أو الجبس لتحويله إلى البرونز كما نراه في أعمال الكثير من الفنانين منهم الفنان العالمي هنري مور أو أعمال النحات العربي سامي محمد أو الفنان مختار في مصر. وقد تعددت خامات النحت منها النحاس والحديد بتطويعهما بالأساليب الحديثة كاللحام والتسخين والطرق، كذلك النحاس الأصفر للطرق والتشكيل الغائر والبارز إضافة الى البرونز والرصاص ويستخدمان في القوالب.
تجارب ومحاولات
تجربة النحت في الفن المحلي تتواجد بشكل هادئ ومحدود في الكم و(الكيف) من خلال المحاولات التي تظهر بين حين وآخر من أسماء بدأت في العديد من المناطق في وقت غلبت فيه اللوحة على المنحوتة تدفعنا للتساؤل والسؤال عن تجارب مبكرة كانت الأحق بأن تكون النموذج الحقيقي المعاصر لفن النحت المحلي القائم على وعي وثقافة بصرية، منها تجربة الفنان كمال المعلم في معرضه (فرسي) الذي أقامه في جدة والإمارات وأعمال الفنان بكر شيخون وإبداعات ضياء والسليم والرضوي كما أشرنا سابقا، فالكثير من أعمال النحت الحالية تظهر تناسخا أو استنساخا من فنان لآخر ظهرت بين فناني الدوادمي في مرحلة سابقة تجاوزها البعض وبقي البعض الآخر مرورا ببعض المحاولات الخجولة التي تظهر حسب الطلب للمعارض أو لإثبات القدرة من قبل بعض الفنانين المعروفين باتجاههم للتصوير الزيتي مع أن التعامل مع الوسيلتين لا يختلف عليه أي منا كما نراها في تجارب أغلب الفنانين العرب والعالميين في الجمع بين مختلف الفنون بشرط القدرة الاستمرارية وتطوير الأداء والمضمون.
البحث عن جمال الشكل
يبحث غالبية فناني النحت المحليين عن مكامن الجمال والإيحاءات من خلال التجريدية والرمزية، معتمدين على كمية مختزل قاموسهم البصري وقدرة كل منهم على التعامل مع الكتلة وكيفية إبراز الشكل النهائي الذي يتكون في غالب الأحيان من أنماط هندسية منها الدائرة التي تظهر في الشكل الكروي أو المستطيل، إضافة إلى بقية المنظومة الهندسية مع سعي في إثبات القدرة على صياغة الشكل النهائي بالتلميع أحيانا وأحيانا أخرى بإيجاد تأثيرات من خلال الخدش أو التحزيز، البعض منهم وهم القلة القليلة في الساحة من يقدم أعمالا تكشف مدى بُعد نظرة الفنان وحجم مختزله الثقافي والوعي بمنجزه ومنهم من يترك للصدفة لإحداث التأويلات الجمالية مطلقا العنان لأدواته وعدده وبحرية كاملة لتشكيل العمل خصوصا أن غالبية الفنانين يرون في الحجر الرخام الصعب المراس مادة للتحدي ولإثبات القدرة على التشكيل على حساب الفكرة فخرجت تلك الأعمال بنمطية ممقوتة لا يتعدى فيها الشكل الإشارة إلى رضوخ الفنان الى اتجاه الشكل دون تسخيرها للمضمون، إضافة إلى تمسك البعض باتجاه أو تقليد أو استنساخ لمن قبلهم نتيجة عدم وعيهم بالعمل الفني ودخولهم معترك الفن سعيا للتواجد بناء على هواية أتت متأخرة دون وجود موهبة مبكرة صقلت بالتخصص أو بالخبرات الطويلة فحملت أعمالهم ملامح ورموزا لا يمكن تفسيرها أو ربطها بأي رؤية جمالية ذات مرجعية بصرية سوى التعامل مع ما تنتهي إليه الكتلة بكل علاتها دون طعم أو رائحة، هذا التوجه الصعب فيما ينتجه أولئك البعض من المنتسبين لساحة النحت بتعاملهم مع منجزهم يؤكد أنهم غير مهيئين لهذا المجال وان تواجدهم جاء نتيجة النقص في أعداد النحاتين في الساحة من المبدعين التي فتحت الفرصة لكل من يبحث عن هدف لا علاقة له بالفن ولهذا نرى تكرار الذات أو الالتفاف حولها وتقديم أعمال رديئة المستوى بعيدة عن أسس العمل النحتي المبني على التعامل الدقيق مع الكتلة والفراغ منطلقا من فكرة معلنة مسبقا من خلال مخيلة الفنان عودا الى مختزله البصري والثقافي مكتملة التكوين تولد صحيحة الجسد والمعنى غير مشوهة أو ممسوخة، فالنحت كما هو معروف مهما كان حجم العمل ينبغي أن تدرس جميع جوانبه خصوصا إذا عرف أنه يرى من جميع الاتجاهات والأبعاد، ولهذا له علاقته بالفضاء العام عكس اللوحة التي تتعامل مع فضائها المحدود ويتم تشكيل العناصر وفق هذه المساحة، ومن هنا تتضح صعوبة التعامل مع النحت حيث يضاف للفضاء العام جانب الإسقاط الضوئي الذي يتلقاه الشكل في أي مكان يتم عرضه فيه، صناعيا داخل المعارض والصالات أو طبيعيا حينما يكون الشكل في حديقة أو ساحة أو ميدان وتأثيره على الشكل بناء على ما هو عليه من تصميم وتنفيذ محكم يجعل من الضوء جزءا من جماليات العمل.
ولنا في كثير من المعارض شواهد على المستوى النمطي الذي يفتقد فيه الفكرة أو المضمون، حتى ولو كان جماليا كشف لنا ما يتمتع به البعض من سعي الى تقديم أعمال بنيت على المصادفة أو الشكل الساذج وكثير ما يجد هؤلاء حرجا عند الحديث عن العمل حتى ولو كان دائرة أو فراغا غير مدروس فبعض الأعمال لم يتم فيها أي تغيير أو بحث عن مكامن الجمال في الشكل الظاهر إلا ببعض التأثيرات الحذرة يحافظ فيها منفذها على إبقائها على طبيعتها التي كانت عليها، فالبعض من هؤلاء كما جاء في أقوالهم يختار القطعة الحجرية بناء على ما توحي به أو تشكله قبل أن يتدخل في إعادة صياغتها، وآخر يقول إنه يسعى إلى تنظيف القطعة وكشطها وتلميعها دون أي تدخل، أما الأخير فقد ذكر في أحد اللقاءات أن أحد النقاد امتدح أعماله بقوله كأنها بفطرتها آتية من الجبل مباشرة.
أما الأكثر تراجعا في معنى التعامل مع النحت والأبعد عن مفهومه الإبداعي فهم من يمارسه كحرفة أو صنعة تجارية، ولهذا يضعون لأعمالهم معايير بناء على العرض والطلب وينتجون فيه أشكالا ذات مضامين تجتذب العامة قبل المثقفين والنقاد منه مثلا شكل حذاء أو وردة أو سمكة إلى آخر منظومة ما علق في ذاكرتهم من عوالق.
قبل الختام أود الإشارة إلى أن في ساحتنا التشكيلية من ممارسي النحت المبدعين الكثير، ومستقبل الأيام كفيل بأن يكشف للمتابعين من هم الأحق بالاستمرار

0 التعليقات: